أبو حامد الغزالي

61

تهافت الفلاسفة

فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضا على هؤلاء الأغبياء ، انتدبت لتحرير هذا الكتاب ، ردا على الفلاسفة القدماء ، مبينا تهافت عقيدتهم . وتناقض كلمتهم ، فيما يتعلق بالإلهيات ، وكاشفا عن غوائل مذهبهم وعوراته ، التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء ، وعبرة عند الأذكياء ، أعنى ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء ، من فنون العقائد والآراء ، هذا مع حكاية مذهبهم على وجهه ، ليتبين هؤلاء الملاحدة تقليدا ، اتفاق كل مرموق من الأوائل والأواخر ، على الإيمان باللّه واليوم الآخر . وأن الاختلافات راجعة إلى تفاصيل خارجة عن هذين القطبين ، اللذين لأجلهما بعث الأنبياء المؤيدون بالمعجزات ، وأنه لم يذهب إلى إنكارهما إلا شرذمة يسيرة ، من ذوى العقول المنكوسة ، والآراء المعكوسة ، الذين لا يؤبه لهم ، ولا يعبأ بهم فيما بين النظار ، ولا يعدون إلا في زمرة الشياطين الأشرار ، وغمار الأغبياء والأغمار « 1 » ؛ ليكف عن غلوائه من يظن أن التجمل بالكفر تقليدا يدل على حسن رأيه ؛ ويشعر بفطنته وذكائه ؛ إذ يتحقق أن هؤلاء الذين يتشبه بهم من زعماء الفلاسفة ورؤسائهم براء عما قذفوا به من جحد الشرائع ، وأنهم مؤمنون باللّه ، ومصدقون برسله ، وأنهم اختبطوا في تفاصيل بعد هذه الأصول ، قد زلوا فيها ، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل ؛ ونحن نكشف عن فنون ما انخدعوا به ، من التخاييل والأباطيل ؛ ونبين أن كل ذلك تهويل ، ما وراءه تحصيل ، واللّه تعالى ولى التوفيق ، لإظهار ما قصدناه من التحقيق . ولنصدر الآن الكتاب بمقدمات تعرب عن مساق الكلام في الكتاب .

--> ( 1 ) الغمر كقفل الذي لم يجرب الأمور ، وغمار الناس بضم الغين وفتحها ، زحمتهم .